آخر الإدراجات

سميائيات بورس مفهوم العلامة: البناء العام وآليات الاشتغال

سميائيات بورس مفهوم العلامة: البناء العام وآليات الاشتغال

  إن الحديث عن العلامة في تصور بورس، وعن طرق صياغتها وأشكال تداولها هو حديث عن النشاط الإنساني باعتباره بؤرة مركزية منتجة للعلامات ومستهلكة لها في الوقت نفسه. فهذا النشاط لا يقف فقط عند حدود إنتاج موضوعات ثقافية يلقي بها للتداول والاستهلاك، بل إنه يدرجها أيضا ضمن أنساق تعطيها أبعادها وتحققاتها المستقلة. لذلك فالعلامة من حيث الوجود والاشتغال ليست وحدة تهتم بتعيين الأشياء والوقوف عند حدودها فحسب، إنها بالإضافة إلى ذلك تهتم بتأويلها، إذ هي في الأول والأخير نمط في بناء التجربة الإنسانية. من هنا نستطيع القول، إن الآليات الإدراكية هي في الوقت نفسه آليات اشتغال الحالات التي تقودنا إلى توليد وتأويل العلامات.

بناء على ذلك، تكون العلامة إذن، هي الوجه الآخر لآليات الإدراك. والإدراك في منشئه وفي منطلقاته الأصلية هو معرفة مبنية على افتراضات تستند بدورها إلى معرفة سابقة من أجل إنتاج معرفة مضافة، لذا لا يمكن تصور سيرورة تأويلية معزولة وخارجة عن عمليات الإدراك هذه، سواء كان إدراكا “للأنا” أو إدراكا للعالم والمحيط الخارجي الذي تتحرك داخله هذه “الأنا”. إن هذا الإدراك لا يتم دفعة واحدة، بل هو إدراك يتم بوسائط ويستند في إنتاج دلالاته إلى عجلة التسنين الثقافي والرمزي. لهذا فكل شيء يمكن أن يشتغل بوصفه علامة، فالتجربة الإنسانية كما سبقت الإشارة، تشتغل بكافة أبعادها كمهد للعلامات؛لحياتها ولنموها ولموتها أيضا.  فالإنسان منتج للعلامات وهو أول ضحية لها.

ويعرف بورس العلامة في قوله: «إن العلامة، أو الماثول، هي شيء يعوِّض بالنسبة لشخص ما شيئا ما بأيّة صفة وبأيّة طريقة. إنها تتوجّه إلى شخص ما، أي تخلق في ذهن هذا الشخص علامة موازية أو ربما علامة أكثر تطورا. وهذه العلامة التي تخلقها أسميها مؤوِّلا للعلامة الأولى. وهذه العلامة تحلّ محلّ شيء ما: موضوعها. إنها لا تحلّ محلّ هذا الموضوع، تحت أيّة علاقة كيفما كانت، بل عبر الإحالة على فكرة أطلقت عليها أحيانا عماد الماثول»[1].

   إن هذه الدينامية (ماثول يحيل عل موضوع عبر مؤول أي سلسلة الإحالات) هي ما يشكل في سميائيات بورس ما يطلق عليه السميوزيس؛ أي السيرورة المؤدية إلى إنتاج الدلالات وتداولها، وهي المسؤولة عن العلاقة السميائية التي تربط الماثول بالموضوع عبر الأشكال التوسطية التي يقوم بها المؤول، «إن العلامة، هي كلّ ما يحدِّد شيئا آخر (مؤوِّلها) ليحيل على موضوع تُحيل عليه هي نفسها (موضوعها) بنفس الشكل، ويصبح المؤوِّل بدوره علامة وهكذا دواليك في إطار سلسلة لامتناهية»[2]

يتعلّق الأمر، إذن، بعلاقة ثلاثية، وهي في عمقها علاقة سميائية خاضعة لمبدإ التنظيم والتركيب. إن هذه العلامة تضع للتداول ثلاثة عناصر: ماثول (أول) يحيل على موضوع (ثان) عبر مؤول (ثالث). ويصبح هذا الأخير بدوره علامة تنبثق عنه سلسلة لا متناهية (نظريا على الأقل) من الإحالات.

«إن العلامة أو الماثول، هو بمثابة شيء أول يقيم علاقة مع ثانٍ يسمى موضوعه، وهي علاقة ثلاثية أكثر أصالة بحيث يمكنه تحديد ثالث يسمى مؤوله، وذلك بأن يقيم مع موضوعه نفس العلاقة الثلاثية التي يقيمها هو نفسه مع هذا الموضوع نفسه. إن هذه العلاقة الثلاثية، هي علاقة أصيلة؛ أي أن عناصرها مجتمِعة ومرتبطة فيما بينها بطريقة لا يمكن معها لهذه العلاقة أن تتحول إلى علاقات ثنائية»[3].

استنادا إلى هذا وجب النظر إلى العلامة بوصفها وحدة ثلاثية المبنى غير قابلة للاختزال في عنصرين كما هو الحال عند سوسير في الدال والمدلول؛ «فإذا كان سوسير يصر على استبعاد المرجع من تعريفه للعلامة ويعتبره معطى غير لساني، فإن بورس ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى. فبناء العلامة يرتكز في تصوره عل فكرة الامتداد التي تجعل من الكون بكل مكوناته وحدة لا تنفصم عراها. فما يؤثث الكون ليس أشياء مادية، بل علامات، ونحن لا نتحاور مع واقع مصنوع من ماديات، بل نتداول هذا الواقع من خلال وجهه السميائي “إننا نحيا داخل كون رمزي، (…) وبقدر ما يزداد النشاط الرمزي يتراجع الواقع”»[4].

لا تنتج العلامة عند بورس دلالة أحادية ومكتفية بذاتها ولا يمكن أن تُطرح وتُعزل بعيدا عن تحققاتها، إنها تولّد عددا من التمثيلات المتسلسلة، يمكن النظر إليها بوصفها سيرورة تدليلية منتجة لمعرفة أكثر عمقا وتطورا. ولا يمكن للذات الإنسانية أن تفكر خارج هذه السيرورة.  هذا يعني أن الأشياء المرتبطة بالتجربة الإنسانية والتي تشتغل باعتبارها علامة، يتم تداولها كذلك بوصفها سيرورة سميوزيسية تتحدد كتكثيف لهذه التجربة والممارسة بكل أبعادها وتجلياتها الذهنية والعملية.

  على هذا الأساس فإن تعريف العلامة، كما ورد عند بورس، لا ينفصل عن تعريف السميوزيس. والسميوزيس هي الوجه الآخر لعمليات الإدراك، ممّا يجعل منها سيرورة ترتهن وتستعيد المقولات الفلسفية الإدراكية الظاهراتية التي تحكم كل الوقائع في “الآن” و”الهنا”. وخارج هذه السيرورة لن تحيل الوقائع سوى على قضايا مجردة عالقة عارية من التاريخي والتسنين الثقافي؛ أي عارية من الفكر والضرورة والدلالة والقانون.

  ويطلق بورس “السميوزيس” أو السيرورة التدليلية أو فعل العلامة على السيرورة التي يشتغل بموجبها شيء ما بوصفه علامة، وهي سيرورة تتصل بقضايا الدلالة وبكيفية إنتاجها وطرق اشتغالها. يقول بورس: «أقصد بالسميوزيس (…) الفعل أو التأثير الذي يستلزم تعاضد ثلاثة عناصر، هذه العناصر هي العلامة وموضوعها ومؤوِّلها، ولا يمكن لهذا التأثير الثلاثي العلاقة أن يُختزَل بأيّ شكل من الأشكال إلى أفعال بين أزواج»[5].

   إن السميوزيس – السيرورة التي يشتغل من خلالها شيء ما بوصفه علامة – سيرورة ثلاثية، لذا لا ينبغي فهمها بعيدا عن الإطار التداولي؛ أي دراسة أيّ فعل كلامي كيفما كان نوعه أو حالته داخل سياق ثقافي ما. وفعل وصف دلالة ما، معناه وصف السيرورة المعرفية التي تؤوَّل من خلالها علامة ما. وداخل هذه السيرورة، لا يمكن للعلامة أن تحقّق وجودها وحضورها الفعلي إلاّ من خلال عنصر التوسّط الإلزامي الذي يقوم به المؤوِّل. هذا الأخير هو الذي ينتج شروطا تبين ربط الشيء المبهم بالمجسّد، ويتيح فرصة إمكانية تمثيل الموضوع داخل الواقعة الإبلاغية. فهي سيرورة ثلاثية تقوم بتحريك وتفعيل ثلاثة عناصر، ما يعمل بوصفه علامة، وما تحيل عليه هذه العلامة ثم الأثر الناتج عنها؛ أي بين ماثول (أول) وموضوع (ثان) ومؤوِّل (ثالث) ويمكن النظر إلى هذه العناصر بوصفها الحدود البانية لهذه السيرورة. هذه الأخيرة، تتحول إلى نسق يتحكّم في إنتاج الدلالات وتداولها. ويمكن التمثيل لذلك بكلمة “شجرة” فهي تدلّ لأنها تشتمل على العلاقات الآتية:

1– متوالية صوتية تشتغل كتمثيل رمزي متعارف عليه عند مجموعة لغوية محددة (المجموعة اللغوية العربية في حالة كلمة “شجرة”)؛

2– موضوع يستند إليه التمثيل من أجل إنتاج الصور الذهنية، وهو ما يشكّل أساس المعرفة، فالمعرفة التي لا تستند إلى موضوع لا يمكن أن تكون معرفة؛

3– مفهوم يحوّل الموضوعات إلى صور ذهنية تغنينا عن الوقائع، وتمكننا من التخلص من ربقة “الأنا” و”الهنا” و”الآن”»[6].

إن العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة يجعل السيرورة منفتحة على احتمالات تأويلية،هذا الانفتاح  هو المعادل الحقيقي للسميوزيس؛«فالسميوز لا يمكن أن تكون تدبيرا لشأن خاص بعلامة مفردة، ولا علما لعلامة معزولة. إن السميائيات هي طريقة في رصد المعنى وتحديد بؤره ومظانّه، إنها أيضا طريقة في الكشف عن حالات تمنّعه ودلاله وغنجه. ولهذا فالسميوز ليست تعيينا لشيء سابق في الوجود ولا رصدا لمعنى واحد ووحيد، إنها على العكس من ذلك إنتاج، والإنتاج معناه الخروج من الدائرة الضيقة للوصف”الموضوعي” إلى ما يحيل على التأويل باعتباره سلسلة من الإحالات المتتالية الخالقة لسياقها»[7].

إن هذه الاحتمالات – وهي احتمالات سميوزيسية – تدلّ على أن الانتقال داخل السميوزيس من عنصر لآخر يكسب العلامة تحديدات أكثر اتساعا وعمقا، سواء تعلّق الأمر بالمعطيات التقريرية الحرفية بوصفها النشاط الأول المرتبط بفعل إنتاج الدلالة، أو المعطيات الإيحائية بوصفها نشاطا ثانيا يقذف بالعلامة نحو عالم التأويل، «فالعلامة شيء تفيد معرفته معرفة شيء آخر»[8].

فما نحصل عليه في نهاية المسير التأويلي هو حدّ بدئي لمعرفة عميقة تطرحها العلامة. فكلّ مؤوِّل جديد يشرح الموضوع السابق انطلاقا من معارف وتصورات جديدة، وهي تصورات تجعل من السميوزيس بؤرة للتوالد الدلالي اللامتناهي، هذا اللاتناهي لا يفصل العلامة عن أصلها، بل يحافظ على هويتها وتماسكها،«إن النشاط التأويلي، وفق الغايات السميوزيسية، المعلنة أو الضمنية فعل كلّي، إن كانت آثاره المباشرة هي تعيين دلالة ما (تعيين ما)، فإن عمقه لا تحدده سوى الإحالات ذاتها التي تجعل من أي نسق سميائي بؤرة للتوالد الدلالي اللامتناهي»[9].

ولتوضيح هذا التوالد نستعين بالشكل الآتي[10]:

  إن اللانهائي في هذا التوالد الإيحائي، وهذه السيرورة التدليلية لا يقيم قطيعة مع الحدّ البدئي، إنه يقوم بتعميق تمثّلاتنا ومعارفنا التي وضعت للتداول في الإحالة الأولى. غير أنه إذا كانت سيرورة السميوزيس سيرورة تأويلية لامتناهية، فعلينا أن نفهم بأن عملية التأويل هذه ليست عملية حرّة، بل إنها حرية مشروطة؛ أي بقدر ما توهمنا عملية التأويل في أننا أحرار فيما نقول، فإننا في الوقت نفسه نجد أنفسنا مجبرين على تأويل وذكر ما يرد الشيء المؤوَّل قوله.

 فالسميوزيس لا تقف عند حدود رصد المعنى الأولي الذي يحيل عليه التمثيل من خلال إحالته الأولى، بل تشير إلى إمكان استمرار هذه الإحالات دون انقطاع إلى ما لانهاية[11].

ومن منظور بورس، فلا وجود لعلامة في ذاتها، بل يمكن لكل شيء ولكل ظاهرة أن تصبح علامة. والتحوّل إلى علامة يعني الدخول في السميوزيس. بهذا المعنى «فالسميائيات ليست علم العلامات، بل هي علم السميوزيس»[12].

إن صياغة هذه السيرورة السميائية، معناه وصف سلسلة الحجج البانية لهذه السيرورة، بدءا بإدراك العلامة وانتهاء بحضورها في ذهن الشخص المؤوِّل لموضوع هذه العلامة. وهذا لن يتحقق إلاّ عندما تستقرّ هذه السلسلة في نقطة ما. أي إنها تعيد إنتاج الموضوع نفسه في إطار سيرورة لامتناهية.

فكلّ علامة هي موضوع تجربة، وإدراك نواة هذه العلامة، ومختلف عناصرها يجعل إمكانية فهمها أمرا ذا أهمية. وأول ما تبتدئ به هذه السيرورة هو تأكيد حقيقة التمثيل، بعد ذلك، فإن كل سيرورة استدلالية تالية تقتضي إنتاج متوالية من العلامات أكثر تطورا؛ ذلك أن موضوع العلامة يصبح هو الآخر موضوع بحث مستمر، والحجج والأفكار البانية لهذه السيرورة تسعى في كل خطوة إلى تأمين المرور من تمثيل لآخر، من موضوع إلى موضوع آخر لم يُحدّد بعد. ثم تتوقف هذه السيرورة في لحظة ما، لتستمرّ رحلة البحث عن المعنى من جديد. وفي كلّ بحث نصطدم تارة بالإنتاج وأخرى بالتأويل: الأول هو اختيار لتمثيل ما، أما الثاني فهو بحث مستمر حول هذا الاختيار. بمعنى آخر، تركّز هذه السيرورة الدلالية على إعادة بناء النواة الخاصة بالموضوع الذي يتم ربطه أو إيصاله دائما بالعلامة. إن الأمر يتعلق ببحث مستمر، وهو بحث يُفضي بنا إلى قضايا دلالية أكثر عمقا، وأكثر تطورا، وتكرار هذا البحث يولِّد لنا عادات في التأويل.

تنطلق هذه السيرورة من عنصر لتصل إلى عنصر آخر، وكيفما كانت طبيعة الظاهرة المدروسة، فإن الانتقال من العنصر الأول إلى العنصر الثاني لا يمكن أن يتم عن طريق الصدفة، وإلاّ أصبحنا أمام سيرورة غير متماسكة. لذلك يجب التعامل مع هذا الانتقال بوصفه معطى توسّطيا بانيا ومتحكِّما في كل المسيرات التأويلية التي تربط بين العنصر الأول والعنصر الثاني.

وتقتضي صياغة هذه السيرورة استحضار عناصرها وتمييز مختلف المراحل المشكِّلة لها، انطلاقا من تصنيف مقولي لتلك العناصر. كما أنها تشتغل أيضا، بوصفها استعادة للمقولات الفينومينولوجية الإدراكية التي توضح نمط اشتغال الوجود وعلله الخاصّين بكلّ التجربة الإنسانية. فما يجربه الإنسان وما ينتجه من دلالات ينبغي أن يُتناول باعتباره حصيلة تفاعل دقيق بين ثلاثة عناصر توضِّح إدراكه لذاته وللعالم الخارجي في آن واحد.

هذه العناصر هي: الماثول والموضوع والمؤوِّل والعماد. حيث الماثول يحيل على الموضوع عبر المؤوِّل في إطار سيرورة لامتناهية§، انطلاقا من المعطيات السياقية والدلالية التي يوفرها العماد.

 عناصر السيرورة السميائية

 الماثول[13] 

إذا كانت العلامة عند بورس هي كل ما ينقل أو يبلِّغ تصورا محددا عن الموضوع بأية طريقة، وبأية صفة ما [14]، فإن الماثول، هو ذات لعلاقة ثلاثية مع ثان يسمى موضوعه عبر ثالث يسمى مؤوله.

إن وظيفة الماثول إذن، هي تمثيل شيء آخر، هذا الشيء يسمى موضوعه. إنه لا يقوم بأي شيء آخر سوى التمثيل، فهو لا يعرفنا على الموضوع ولا يزيدنا معرفة به. ذلك أن موضوع العلامة هو ما يجعلها من جهة شيئا قابلا للتعرف، وهو من جهة أخرى، ما يجب افتراضه من قِبل مرسِل ومتلقي هذه العلامة [15].

استنادا إلى هذا التعريف يكون الماثول هو الأداة التي نستعملها في التمثيل لشيء آخر، هذا الشيء يسمى موضوعه؛ أي إن هذا الماثول لا يمكن أن يتحقق إلاّ من خلال تحيينه داخل موضوع يعطيه أبعاده الملموسة والمحققة. ولا يمكن لهذا التمثيل أن يتم إلاّ انطلاقا من أنساق أو من سلسلة من الإحالات الخاصة التي يوفرها المؤول باعتبار هذا الأخير هو المسؤول عن عملية إنتاج دلالات سياقية غير قابلة للانكفاء والانطواء على ذاتها.

لذلك فالحديث عن الماثول بهذا الشكل، كأداة للتمثيل، يجعلنا ندرك أن تحققه وغائيته السميائية لا يمكن أن تكون إلا من خلال تحيينه داخل موضوع ما. أي أن مجموع الأفكار والممكنات، والأحاسيس والنوعيات (أي مجموع الماثولات) لا معنى لها في ذاتها، إنما تكتسب هذا المعنى من خلال تحيينها في موضوع ما، «إن الماثول (…) لا ينتمي إلى صنف المعرفة المحسوسة، بل إنه لم يصر بعد علامة، إنه هناك بمثابة حاجز يجب تجنبه ومتصل يجب اختراقه، ومشكلة يجب حلها»[16]. فنحن داخل هذا الماثول بوصفه متصلا لا نستطيع أن ننتج علامة. ومن أجل ذلك علينا أن نحدث تقطيعا وتمفصلا داخل هذا المتصل. ولا يستطيع الماثول الإحالة على موضوعه إلا عبر مؤوِّل يتوسط العنصرين معًا ويوفّر للعلامة شروط تمثيلها.

«لذلك فإن كل ما يشتغل كحامل لشيء يتجاوزه يمكن أن يشتغل بصفته ماثولا (من طبيعة لسانية أو اجتماعية أو طبيعية). واستعمال بورس لكلمة شيء في تعريف الماثول معناه أن هذا الماثول ليس متوالية صوتية لها موقع معين داخل لسان ما. بل هو ظاهرة عامة قد تكون اجتماعية وقد تكون طبيعية وقد تكون لسانية»[17].

الموضوع:

إن الموضوع هو ما يقوم الماثول بتمثيله وتعيينه، سواء كان هذا الموضوع مُدركا بشكل واقعي أو متخيلا، أو غير قابل لهذا التخيل [18]؛ فهو كيان قد يكون ماديا أو ذهنيا. ويعدّ الموضوع ثانيا داخل سيرورة السميوزيس، ولا يمكنه أن يكون دون ماثول؛ أي دون أول. ويعرّف بورس الموضوع في قوله: «إن موضوع العلامة، هو المعرفة التي تفترضها العلامة لكي تستطيع نقل وتبليغ معلومات إضافية تخص هذا الموضوع »[19]. ولا يمكن للموضوع، أن يُعزل ويطرح بعيدا عن فعل العلامة، فهو بدوره علامة يستطيع التعرف على أشياء جديدة، لذلك فهو لا ينفصل عن عملية الإبلاغ. «فالباث والمتلقي يجب أن يمتلكا معرفة سابقة عن الموضوع لكي يكون هناك حوار. وهذه المعرفة السابقة (في علاقتها بالمعرفة الإضافية) تتحدد من خلال سلسلة العلامات السابقة، أي العلامات غير المتحققة داخل السياق الخاص للإبلاغ. والسياق الخاص هو الذي يحدد الموضوع الخاص للعلامة. وبتعبير آخر، من أجل ردّ هذا الموضوع إلى هذه العلامة، وليس إلى تلك، يجب استحضار السياق الخاص الذي تندرج ضمنه العلامة»[20].

على هذا الأساس ندرك أن الموضوع في عرف بورس هو بناء دلالي فالفعل/ذهب/ بالنسبة له مثلا، يظل فعلا لا هوية له سوى الإجماع الذي يحصل عليه انطلاقا من استعمالاته وتجلياته المتعددة، وبالتالي فإن موضوع هذا الفعل هو وجود قانون. وبالنسبة لجملة مثل “كان هامليت مجنونا” فإن موضوعها حسب بورس ليس سوى عالم متخيل، أو عالم ممكن (العالم الذي أبدعه شكسبير)، وهو عالم تقوم العلامة بتحديده. في حين أن أمرا من قبيل/استعدّوا !/ أو/كُفّوا عن القتال !/، فموضوعه الخاص يكون إما الفعل المنسوب إلى الجنود أو يكون عالم الأشياء التي يرغب فيها النقيب في هذه اللحظة (…)، وفي الحالتين معا، فالموضوع ليس بالضرورة شيئا أو الحالة التي يكون عليها العالم، إنما هو بالأحرى بناء دلالي، أو الوصف الإجرائي لصنف التجارب الممكنة [21].

 والعلامة عند بورس لا تحيل عل موضوع فقط، بل إنها بالإضافة إلى ذلك تكشف عن معرفة جديدة وأكثر تطورا تخصص هذا الموضوع. ولأنّ الموضوع هو أصل ومنطلق الإحالة، فإنه يتجاوز العلامة في الوجود والتمثيل. ويمكن تقسيمه حسب بورس إلى نوعين:

* الموضوع المباشر؛ أي الموضوع كما تمثله العلامة، وكما هو معطى بشكل مباشر داخل هذه العلامة، وما يتطلبه الإدراك المشترك. إنه مرجع بالمعنى الدقيق والثابت، وبدونه لا يمكن للعلامة أن توجد، غير أنه لا يغطي كل الإمكانات الموجودة داخل الواقعة.

* الموضوع الديناميكي أو الموضوع غير المباشر، وهو موضوع يوجد خارج العلامة، إنه وحدة ثقافية تعكس ما تراكم من المعارف والتجارب الضمنية باعتبارها حصيلة لسلسلة من الممارسات السميائية السابقة. إنه مرجع أكثر شساعة يتوفر على ما لا تستطيع العلامة التعبير عنه مباشرة، بل تكتفي بالتلميح له. يستطيع المتلقي تأويله انطلاقا من تجربته. إننا في الموضوع الديناميكي نكون أمام معرفة مفترضة وجودها كفيل بتأسيس فعل التأويل.

وتشكّل هذه المعارف سياقا للعلامة. والسياق، هو الكفيل والقادر على إسناد علامة ما إلى موضوع خاص له علاقة بهذه العلامة أو تلك.

  الموضوع المباشر والموضوع الديناميكي

ولفهم العلاقة بصورة جيدة بين الماثول (أو العلامة بشكل أعمّ) والموضوع، وكذا التمييز بين الموضوعين (المباشر والديناميكي)، لا بد من استحضار مفهوم أساسي في سميائيات بورس، إن الأمر يتعلق بمفهوم “العماد” «فالعلامة تمثل موضوعها، ليس في جميع علاقاته، بل بالإحالة على فكرة ما، أسميها أحيانا عماد الماثول»[22].

 العماد

       إن العماد هو الزاوية، أو جهة النظر التي تمكّن العلامة من تمثيل موضوعها.ولهذا الأخير صلة وارتباط متبادل مع العلامة (فالعلامة/homme/مثلا ترتبط بصورة متبادلة مع العلامة/رجل/التي ستصبح بدورها موضوعا لعلامة أخرى)، والعنصر الثالث المضاف لهذه العلاقة المتبادلة، موازاة مع المؤوّل، ليس هو المدلول، بل العماد. فالعلامة دائما تحيل على عماد ما عبر موضوعها أو الخاصية المشتركة التي تتقاسمها هذه الموضوعات[23]؛ «إن العماد صفة إسنادية للموضوع بعدما تم انتقاء هذا الأخير بكيفية معينة، وإن صفة واحدة من هذه الصفات هي المؤهلة لبناء موضوع العلامة المباشر. ومادام العماد أحد الصفات المسندة أو المحمولات الممكنة للموضوع، فإنه يكون “خاصية مشتركة”، إنه “إيحاء”»[24]. ومادام كذلك، فله القدرة على تحديد ما هو متحقق داخل العلامة، وما هو مفترض وقابل للتحقق ضمن سياق ما؛ أي داخل فعل تواصلي يفترض وجود مرسِل ومتلقي.

   وللتمييز أكثر بين الموضوعين المباشر والديناميكي، يمثل بورس لذلك، بجملة “الشمس زرقاء” التي تتضمن موضوعين:

الموضوع الأول هو الشمس التي تقتضي من المتكلم والمتلقي معرفة مسبقة بهذه الشمس، حتى يتمكنا من الحديث عنها: الطبيعة الفلكية والفيزيائية للشمس وعلاقتها بالأرض والنظريات المتعددة التي تحدد نوعية هذه العلاقة ثم ما قاله الشعراء عن الشمس، الشمس تلمع، وتُدفئ، تغيب أحيانا، الشمس تُشرق في الصباح لتغرب في المساء… إن هذه المجموعة من المعارف، التي ليست معطاة بشكل مباشر داخل العلامة، تشكل الموضوع الديناميكي. أما الموضوع الثاني المتمثل في كون الشمس زرقاء، فهو معرفة مضافة إلى مجموع معارفنا السابقة، وتبعا لذلك، فإن هذا الموضوع، أي إسناد صفة الزرقة (واقعية أو متخيلة) إلى الشمس، هو ما يشكل الموضوع المباشر[25]. «إن الموضوع الديناميكي، يشكل جزءا لا يتجزأ من “الواقع”، غير أن هذا الواقع قد تمّ تحديده من قبل بورس في حدود “ما هو مُتعارف عليه”، وهو ما ستتم معرفته وإدراكه أثناء الممارسة السميائية اللامحدودة، لذلك، فالموضوع الديناميكي، ليس “مرجعا” خارج سيرورة السميوزيس، إنه هو نفسه من إنتاج فعل العلامة»[26]؛ بل – الأكثر من هذا – إن الموضوع عند بورس يتجاوز العلامة، إذ الأصل في ذلك هو الواقع، والواقع أغنى بكثير من الأداة التي تقوم بتمثيله (الماثول) ولهذه الغاية، فإن ديناميكية الموضوع، تأتي من حيث أن العالم الذي تحيل عليه العلامة عالم متغير باستمرار. هذا التغير يولِّد سلسلة من الدلالات والقيم الإضافية، مما يجعل هذه العلامة غير قادرة على احتواء العالم من خلال إمكاناتها الذاتية. لذلك فعملية التمثيل ستكون قاصرة عن احتواء الموضوع في كليته، «صحيح أن العلامات لا تعقد صلة مع الموضوع في أبعاده المجسدة والملموسة لأنها لا تقدر سوى على وصف الطريقة التي يتم بها تحقيق هذه الصلة. إن العلامات لا تملك اتصالا مباشرا مع موضوعاتها الديناميكية إلاّ إذا قامت هذه الموضوعات بتحديد شروط إنتاج العلامة. وعلى أيّة حال، فإن العلامات لا تدرك سوى الموضوعات المباشرة، أي المدلولات (معطيات المحتوى). غير أنه من الواضح أن ثمّة اختلافا بين الموضوع الذي علامته علامة وموضوع علامة ما. فالأول هو الموضوع الديناميكي، وهو حالة من العالم الخارجي، أما الثاني فبناء سميائي، وهو موضوع ينتمي بصورة خالصة إلى العالم الداخلي »[27].

لذلك، إذا كان الموضوع الديناميكي، موضوعا يوجد خارج العلامة؛ أي ليس معطى بشكل مباشر في الماثول، وإنما هو نتاج معرفة حصلنا عليها بفضل عمليات سميائية سابقة، فإن هذا ليس معناه أن هذا الموضوع يوجد خارج السيرورة التأويلية، إنه من إنتاجها، «فإذا انطلقنا من السميوزيس؛ أي من شبكة العلامات التي تحيل باستمرار ودون توقف على علامات أخرى، فإن الموضوعين المباشر والديناميكي، يعدان نتاجا للسميوزيس، فالموضوع الديناميكي، يندرج هو الآخر ضمن السميوزيس، ضمن الثالث. إلاّ أنه في إطار اشتغال كل موضوع على حدة، فإن الموضوع الديناميكي يؤسس، من خلال مثوله كتجاوز للعلامة، استقلال الموضوع عن العلامة»[28].

وعلى أيّ حال، – وحسب أمبرتوإيكو – فإن الغموض يزول إذا ما اعتبرنا أن مفهوم العماد يساعد على التمييز بين الموضوع الديناميكي (الموضوع في ذاته، بما أنه يُجبر العلامة على التمثيل) والموضوع المباشر، بينما يسعى المؤول إلى إقامة علاقة بين الماثول والموضوع المباشر. هذا الأخير هو الطريقة التي يصبح من خلالها الموضوع الديناميكي بارزا. إن هذه الطريقة، ليست شيئا آخر سوى العماد أو المدلول باعتباره يشير إلى مستويات في الدلالة.

 إن الموضوع المباشر، هو الموضوع كما تمثله العلامة نفسها، وتبعا لذلك، فإن وجوده وتحققه رهين ومتوقّف على هذا التمثيل. أما الموضوع الديناميكي، فهو الذي يبرّر ويعلّل العلامة، غير أن هذه الأخيرة، وانطلاقا من العماد، تؤسس الموضوع المباشر بوصفه شيئا “داخل العلامة” وبوصفه فكرة و”تمثيلا ذهنيا”. ولهذا يبدو طبيعيا، إذا ما أردنا وصف الموضوع المباشر لعلامة ما، أن نستعين بمؤول هذه العلامة [29]. كما أن سيرورة التأويل هذه عبر المؤولات هي الكيفية التي يصبح من خلالها العماد( من حيث كونه موضوعا مباشرا) جلي الظهور بوصفه دلالة.

ويتجاوز الموضوع عند بورس العلامة، إذ الأصل في ذلك هو الواقع لأنه أغنى بكثير من الأداة التي تقوم بتمثيله، ولهذه الغاية فإن دينامية الموضوع تأتي من حيث أن العالم متغير باستمرار، هذا التغيير يولّد سلسلة من الدلالات، ولهذا فإن عملية التمثيل ستكون عاجزة عن احتواء الموضوع في كليته؛ أي إنها ليست في مستوى العناصر التي يحتويها الموضوع على حد تعبير إليزيو فيرون[30].

 المؤول

إن العلاقة الدينامية بين الموضوع والماثول تُظهر عنصرا ثالثا إنه المؤوّل. كما أن التقسيم السابق بين عناصر السيرورة السميائية سيدفعنا إلى التساؤل عن الإواليات التي يستطيع من خلالها الماثول إحالتنا على الموضوع المباشر أو الموضوع الديناميكي.

فبما أن كل سيرورة دلالية – حسب بورس – هي سيرورة توسطية، فعلينا أن نُدخل في اعتبارنا كل أهمية لعنصر التوسّط الإلزامي؛ أي المؤوِّل.

لا تستطيع كل علامة إنتاج دلالة أحادية مكتفية بذاتها، بل إنها تضع للتداول ثلاثة عناصر؛ ماثول يحيل على موضوع عبر مؤول. هذا الأخير هو العنصر المركزي في وجود الدلالة وتداولها، وهو العنصر الذي يجعل الانتقال من الماثول إلى الموضوع أمرا ممكنا. ولا يمكن الحديث عن السيرورة التدليلية في غياب المؤول لأنه هو الذي يحدد لهذه السيرورة شروط صدقها، وكيفية اشتغال عناصرها، وهو ما يسمح بقيام العلاقة السميائية بين الماثول والموضوع. وحسب بورس، فإن مؤول علامة ما إما أن يكون علامة أخرى، وإما أن يكون عادة [31].

«إن هذه التحديدات الأولية غير كافية للكشف عن العمق الحقيقي للمؤول. ذلك أن المفهوم يعد من أغمض المفاهيم داخل السميائيات البورسية. فإذا كان بورس يعرفه بأنه “كل ما هو معطى بشكل صريح داخل العلامة نفسها، في استقلال عن سياقه والشروط المعبرة عنه”، فإن الدراسات التي أنجزت حول كتابة بورس، ذهبت بهذا المفهوم في كل اتجاه، فأحيانا تضيق دائرته ليعين فقط الفكرة التي تسمح للماثول بالإحالة على الموضوع، وهو بهذا لا يختلف كثيرا عن المدلول السوسيري (كما تصوره سوسير على الأقل). وأحيانا تتسع دائرته ليشمل الحقول الثقافية: أي فعل التسنين الذي تتم من خلاله عملية الإحالة، وهو بهذا يقترب من السنن الثقافي في مفهومه العام»[32].

إن الوعي بأهمية المؤول، هو الذي حمل العديد من الباحثين على التدبّر في وظائفه وطبيعته ومقتضياته، لأنه هو القادر على تحويل الأثر السميائي إلى ظاهرة ثقافية، مما جعله – حسب أمبرتو إيكو – يتخذ صورا متعددة يمكن إجمالها على النحو الآتي:

فقد يكون المؤول مثلا:

أ – علامة موازية، في نسق تواصلي آخر، كما هو الأمر بالنسبة لكلمة/كلب/فقد تُترجم إلى رسم هذا الكلب مثلا.

ب – أمارة محددة حول موضوع ما.

ج – تعريفا علميا كما هو الحال بالنسبة لألفاظ النسق التواصلي الواحد، حيث /الملح/ مثلا تدلّ على كلورور الصوديوم”.

د – تداعيا وجدانيا مكتسبا لبعض القيم الإيحائية الثابتة: كما هو الأمر في كلمة /كلب/ الدالة على الوفاء” والعكس بالعكس.

هـ – ترجمة بسيطة لبعض الألفاظ من لغة لأخرى» [33].

«إن المؤول، قد يكون شرحا، أو استدلالا، أو علامة موازية، تنتمي لنسق مختلف من العلامات، وقد يكون خطابا كاملا، وهكذا إلى ما لانهاية »[34].

«ففي إطار فلسفة السميوزيس اللامتناهية عند بورس نجد أن:

* بإمكان كل عبارة أن تؤوِّل عبارة أخرى، وهكذا، في إطار سلسلة لامتناهية،     

* إن نشاط التأويل نفسه هو السبيل الوحيد الذي يمكننا من تحديد محتوى العبارات.

* خلال هذه السيرورة السميائية، فإن مدلول العبارات المعروفة اجتماعيا يتطور وينمو انطلاقا من التأويلات التي يتلقاها من سياقات متنوعة وظروف تاريخية مختلفة.

* إن المدلول التام لعلامة ما لا يمكن أن يكون سوى تثبيت وتسجيل تاريخي للاشتغال التداولي الذي صاحب كل تمظهراته السياقية.

* إن تأويل علامة ما معناه، وبشكل مثالي، توقّع كل السياقات الممكنة التي يمكن أن تُدمج فيه هذه العلامة. (إن المعنم نص مفترض، والنص هو امتداد للآثار المعنوية) » [35].

فكل مؤول هو وحدة ثقافية أو وحدة دلالية، ففي ثقافة ما يمكن لهذه الوحدات أن تنتظم داخل نسق من التعارضات. هذا الصنف من هذه العلاقات، يمكن تسميته نسقا دلاليا كليا. ونؤكد باستمرار أن هذه الوحدات هي البانية للمجالات أو الحقول الدلالية.[36] وبعبارة أخرى، فالمؤول هو المحور الذي يؤسس العلاقات الاستبدالية لعلامة ما، وبين ما نصطلح على تسميتها أحيانا بالمعرفة القبلية، وإن المؤول دائما، وفي الوقت نفسه علامة بالنسبة لمؤول آخر وبالتالي، فإنه يساهم في حركية السميوزيس اللامتناهية [37].

«إن العلامة اللفظية “أب” بوصفها أداة (ماثولا) هي مجموعة من الأصوات المُبنينة بطريقة ما، هذه الأصوات لا يمكن أن تعيّن لي شيئا آخر سوى نفسها، اللهم إلاّ إذا حلّت محلّ شيء آخر؛ إحلالها محلّ مفهوم محدّد، هو مفهوم الأب. وإذا ما بقيتُ داخل العلاقة البسيطة بين مجموع الأصوات والمفهوم، فإنه لن يكون باستطاعتي أبدا أن أفهم صراحة دلالة هذا المفهوم، لذا لا بدّ لي من اللجوء إلى مجموعة متعددة ومركبة من العلامات الأخرى. وفي مثالنا هذا، فإن الأمر يخصّ مجموع العلامات التي تُعرِّف في لغة محددة علاقات القرابة. إن هذه الوحدة الاستبدالية اللسانية هي التي تشكل أحد مؤوِّلات العلامة “أب”»[38].

إذا كان الماثول، ينتمي إلى الأولانية والموضوع إلى الثانيانية، فالمؤول ينتمي إلى الثالثانية داخل السيرورة السميائية. هذه الوضعية تخوِّل له بأن يكون هو الشرط الأساسي والكفيل لترويج كل معنى، وبالتالي، فهو المحدد لوضعية العلامة، والضامن لمصداقيتها؛ أي هو الذي يعطي للعلامة إمكانية تمثيل الموضوع داخل حلقة التواصل (…) هذا ما يجعلنا ندرك بأن سيرورة السميوزيس أو فعل العلامة نفسه فعل لا متناهي من الإحالات الاختلافية من علامة لأخرى.[39] إذ لا وجود لأي عبارة سواء كانت قضية أو حجة غير دالّة على ما هو ممكن، لأن العلامة بالنسبة لبورس – كما سبق – ليست قائمة فقط في كلمة أو صورة دون غيرها، وإنما هي تتبدّى في قضية وحتى في كتاب بأكمله.

 هذه الرؤية لمفهوم العلامة تطال نصوصا، لذا تجد مفهوم المؤول لدى بورس يختص بسيرورات الترجمة الأكثر اتساعا وتعقيدا من السيرورات الأولية الخاصة بالتحديد المعجمي أو تلك التي تخص الترادف. حتى ليسعنا القول إن من بين مؤولات كلمة /طفل/ ليس فقط الاقتصار على صور الأطفال أو إعطاء تعريفات من قبيل “ذكر، إنسان، غير راشد”، بل تتعدّاها مثلا إلى ذكر تاريخ مذبحة الأبرياء. إن المسألة فقط تهمّ معرفة الكيفية التي تشتغل بها السميوزيس اللامحدودة لكي يتم تجاوز كلّ المسالك الوعرة [40]. خاصة وأن هذه السيرورة التدليلية، هي خزان كبير من الوحدات الثقافية القابلة للتحقق ضمن سياقات متنوعة وتقودنا إلى إنتاج معرفة جديدة ثم تحويلها بدل الوقوف على وصف مكونات الظاهرة.

ويمكن أن نميز حسب كتابات بورس – وكما أشار إلى ذلك جيرار دولودال – بين وصفين منطقيين ومختلفين لمفهوم المؤول. يرى الوصف الأول: أن مؤول علامة ما، هو علامة أخرى. أما الثاني فيرى أن مؤول علامة ما، هو عادة.

إن التعريفين معاً لا يتناقضان بل يتكاملان [41]. وتظهر صور التكامل على النحو الآتي؛ إن المؤول يكون تارة معيارا أو عادة اجتماعية، وتارة أخرى يكون هو التحديد والتعيين لفكر يستبطن هذا المعيار وهذه العادة الاجتماعية في الهنا والآن. ففي التصور الأول يربط المؤول العلامة بموضوعها بكيفية مجردة وفي الثاني يجعل العلاقة بين العلامة وموضوعها مجسدة في الآن والهنا. لذلك يكون المؤول تعبيرا عن علاقة جدلية بين العالم الواقعي كشيء محدد سلفا، وكشيء تمّ تسنينه بواسطة علاقات ذات صبغة مؤسسية (خاضعة لمبدأ العرف والقانون)، وكشيء تم استبطانه من قبل أفراد هذا المجتمع. هؤلاء الأفراد هم الذين يقومون بتحيين هذه العلاقات في تحديداتهم وقراراتهم المجسدة. لهذه الغاية، يمكن أن نميز بين المؤول وبين الشخص المؤول، هذا الأخير ذات مفردة، وهو بمعنى من المعاني المسؤول عن هذه العلاقة الجدلية، وباعتبار الشخص المؤول كائنا اجتماعيا، فإنه مسؤول كذلك عن نقل القيم المهيمنة داخل مجتمع ما، وبشكل خاص الدلالات الاجتماعية المرتبطة بالأشياء (الإنتاج الاجتماعي للمعنى)، لأنه يجد نفسه مرغما على استعمالها في كل أشكال التواصل اليومي. وبوصفه ذاتا خاصة، لها أبعادها النفسية، وأنماط تفاعلها المتميزة، فإن هذه الذات تتأثر بشكل خاص تجاه المثيرات التي تحدد حالات وعيها. وهي حالات يجد من خلالها النفسي والاجتماعي نفسيهما متآلفان ومتفاعلان. هذا التفاعل هو الأساس نفسه للثالوث المشكِّل للظاهرة السميائية أو الظاهرة السميوزيسية المتعاضدة.

إن المؤول عنصر ثالث؛ إنه ما يبرر التوسّط بين الماثول (الأول)، والموضوع (الثاني). فالأول يؤثّر والثاني يتأثر والثالث، هو الفعل الذي يبرر هذه العلاقة (طبيعة التأثير والتأثر). فبين البداية بوصفها أولى، والنهاية بوصفها أخيرة تأتي السيرورة التي تقود من البداية إلى النهاية [42]. هذا التصور سيحيلنا على تحديد آخر لمفهوم المؤول. «فإذا كان المؤول عنصرا توسطيا، فإن التوسط معناه إلغاء لمباشرية العلاقة بين الإنسان ومحيطه الخارجي. فأي تأويل (وأي سلوك) إنما يتم استنادا إلى معرفة مسبقة تحدد للشيء، مادة التأويل، موقعه داخل سنن معين (قسم من الأشياء[43]. بناء على ذلك، فإن الوسيلة الوحيدة للإمساك بالموضوع والماثول هو المؤول. هذا الأخير، يعود إلى مقولة الثالثانية (مقولة الفكر والضرورة والقانون والدلالة)، وهذه المقولة هي أداتنا الوحيدة للوصول إلى الثانيانية (مقولة الواقعي) والأولانية (مقولة الإمكان). ومادامت عمليات الإدراك لا تتم بطريقة مباشرة، وإنما بأشكال تأويلية ورمزية، فإن المؤول (التأويل) سوف يستند إلى سنن ثقافية مشتركة تم إنتاجها انطلاقا من أشكال رمزية تختزنها الذاكرة الجماعية، بوصفها تسنينا، وتكثيفا لمجموعة من الممارسات الإنسانية الدالّة.

«إن علاقتنا بالواقع ليست مباشرة، إننا نكوِّن لأنفسنا نموذجا للواقع عبر تأويل ذي طبيعة رمزية. إن تأويلا من هذا النوع يستند إلى سنن ثقافية مشتركة تشكلت وتطورت داخل السيرورة الإبلاغية. إنها تشتغل كمصافي، وهذه المصافي تسمح لنا بالدخول في علاقة مع الواقعي، والأمر يتعلق بواقع مفكر فيه بشكل مسبق:

إن علاقتنا بالواقع تتم عبر السنن، فنحن مثلا لا نستطيع التفكير إلا بواسطة اللغة التي تقوم بدورها ببنينة الواقع، وتمدنا بنموذج من هذا الواقع»[44].

إن الإمساك بهذا الواقع، إنما يتم عبر مستويات متعددة. فإذا كان المؤول سيرورة دلالية توسطية، تربط بين عنصرين آخرين، فإن هذه السيرورة تؤكد أن هناك معنى أولا، وهناك دلالات إضافية. فالمعنى الأول، هو الذي يشكل الأصل والمنطلق والعنصر الثابت، إنه البنية الأولية والبسيطة للدلالة. وانطلاقا من هذه البنية يمكن للمتلقي أن يولّد دلالات إضافية ذاتية؛ أي التسليم بإمكانية تحول المستوى الأول إلى مجرد عنصر داخل مستوى آخر وداخل سياق محدد، «إن التجربة العادية تدلنا على أن الإمساك بالشيء يتم عبر مستويات متعددة. فالذات المتكلمة تخلق انطلاقا مما توفره هذه التجربة أنساقا لمعاني جديدة تتجاوز عبرها المعطى المباشر. وليس هناك من فعل تأويلي قادر على احتواء كل معطيات الموضوع ضمن نظرة شاملة وكلية. فدخول المؤول كعنصر ثالث داخل سيرورة السميوزيس يسمح من جهة بإحالة الماثول على موضوعه ولكنه من جهة ثانية يقوم بإبراز الهوة الدائمة الوجود، الفاصلة بين هذا الماثول وموضوعه. وعوض أن ننظر إلى هذه الهوة كقصور في فعل الإحالة وفعل التأويل، يجب أن ننظر إليها كضمانة على غنى التأويل وتجدده المستمرين»[45].

إن مستويات الإدراك هذه هي التي دفعت بورس إلى التمييز بين ثلاثة أنواع في المؤول؛ وكل نوع يتطابق مع مستوى دلالي معين؛ وهذه الأنواع هي: المؤول المباشر والمؤول الديناميكي والمؤول النهائي.

هوامش الدراسة


[1]– PEIRCE (Charles Sanders): Ecrits sur le signe rassembles, traduits et commentes par Gérard Deledalle, ED. Seuil, Collection, L’ordre Philosophique, Paris, 1978, P:121.                     

[2]– Ibid, P:126.                                                                                                          

[3]–      Ibid, P: 147.                                                                                                    

[4] – سعيد (بنگراد): السميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2003 ، ص:61.

[5] – PEIRCE (Charles Sanders): Ecrits sur le signe, OP.Cit, P: 133.                

[6] – سعيد (بنگراد): السميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، مرجع مذكور، ص:167.

[7] – المرجع نفسه،ص ص: 34/35.

[8] – أمبرتو (إيكو): التأويل بين السميائيات والتفكيكية، مرجع مذكور، ص:120.

[9] – سعيد (بنگراد): “السميوزيس والقراءة والتأويل”، مجلة علامات، العدد 10 السنة 1998، ص:46.

[10]–  Nicole (Everaert _Desmedt): Le Processus Interprétatif; Introduction à la sémiotique de C. S. Peirce ; Ed ; Mardaga Editeur, 1990.; P : 41.      

[11] – سعيد (بنگراد): السميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها مرجع مذكور، ص:167.

[12] Francoise(Armengaud): La Pragmatique, que sais-je? N:2230, ED: Press -Universitaires –  de France 1985, P.19.

§ – إن لهذه السلسلة حدّ. هذا الحدّ هو ما يوفّره سياق العلامة وفرضياتها القرائية. بمعنى آخر، إن السيرورة التأويلية تقلّص من حجمها وإمكانياتها عندما ترسم لنفسها اختيارا يعدّ بمثابة سيرورة تأويلية تقود إلى تحديد شكل تستقرّ عليه الدلالة النهائية.

1– «إذا كان بورس يستعمل في غالب الأحيان مفهوم “علامة” كمعادل لمفهوم “الماثول”، فإنه، مع ذلك، يقيم تميزا بين الطرفين: فالعلامة هي الشيء المعطى كما هو، فيما الماثول يعيّن الشيء – علامة منظورا إليه في إطار التحليل الثلاثي بوصفه عنصرا ضمن سيرورة التأويل» للمزيد أنظر:

Nicole (Evereart_Desmedt): Le Processus Interprétatif, OP.Cit ; P:39.              وبكيفية أكثر تحديدا، يقيم بورس – حسب إيكو – تمييزا بين العلامة والماثول: ويبدو أن بورس يقصد بمفهوم/علامة/التعبير بوصفه ورودا وتحققا داخل السيرورة الملموسة لعملية التواصل، ويقصد/بالماثول/النمط الذي يُسنِد إليه السنن مدلولا ملائما وذلك عبر توسّط مؤوِّلات قادرة على ترجمته. وفي مواضع أخرى يمكن النظر إلى العلامة بوصفها إجراءات وأساليب التواصل البيّنة، فيما يتم النظر إلى الماثول على أنه كل موضوع يستطيع أن يقيم علاقة بمضمون ما، حتى لو لم يكن هذا الموضوع ظاهرا ومبثوثا بصورة قصدية. للمزيد أنظر :

UMBERTO (ECO): LECTOR IN FABULA, Ou la coopération interprétative dans les textes narratifs, Traduit de l`italien par MYRIEM BOUZAHER, ED, Grasset & Fasquelle, 1985, P: 60/61    

[14] -PEIRCE (Charles Sanders): Ecrits sur le signe, OP.Cit, P:116.                  

[15]– Enrico (CARONTINI): L’ACTION DU SIGNE Louvain – la- neuve1984, P: 25.                 

[16] – جيرار (دولودال) “تنبيه لقراء بورس” ترجمة عبد العلي اليزمي، تقديم سعيد بنگراد، مجلة علامات العدد 8، 1997 ص:112.

[17] – سعيد (بنگراد): “سميائيات بورس” مجلة علامات العدد 1 السنة الأولى ربيع 1994، ص:12.

[18]– PEIRCE (Charles Sanders): Ecrits sur le signe, OP.Cit, P: 122.                     

[19]– PEIRCE (Charles Sanders): Ecrits sur le signe, OP.Cit, P :123.                  

[20] – سعيد (بنگراد): “سميائيات بورس” مرجع مذكور، ص:13.

[21]– UMBERTO (ECO): LECTOR IN FABULA, OP.Cit, P: 34.                      

[22]– PEIRCE (Charles Sanders): Ecrits sur le signe, OP.Cit, P: 121.                      

[23] -UMBERTO (ECO): LECTOR IN FABULA, OP.Cit, P: 35.                  

[24]– Ibid; Page: 36.                                                                                                

[25] –Enrico (CARONTINI): L’ACTION DU SIGNE, OP.Cit , P:30/31.          

[26]– Nicole (Evereart_Desmedt): Le Processus Interprétatif, OP.Cit, Page: 45 /46.                 

[27]–UMBERTO (ECO): LECTOR IN FABULA, OP.Cit, P:53.                       

[28]VERON (Eleseo):”La Semiosis et son monde “ in Langages 58, ED, – Larousse, P: 73.                                 

[29] -UMBERTO (ECO): LECTOR IN FABULA, OP.Cit, PP: 37/38.          

[30]– VERON (Eleseo):”La Semiosis et son monde “ in Langages 58 , ED, Larousse, P: 72.                     

[31]GERARD (DELEDALE): COMMENTAIRE, IN Ecrits sur le signe,       – OP.Cit, P.219. 

[32] – سعيد (بنگراد): “سميائيات بورس” مرجع مذكور، ص:16.

[33]-Umberto (Eco): La Structure Absente, ED, Mercure de France, Paris, 1972 P: 66.

[34]-Umberto (Eco): Les limites de L’interprétation; traduit de l’italien par  Myriem Bouzaher; Grasset ; 1990. P: 239.                                                   

[35]– Umberto (Eco): Les limites de L’interprétation; OP.Cit PP: 299/300.         

[36]Umberto (Eco): Le Signe, Histoire et Analyse d’un concept ED. LABOR, Bruxelle. -1988;P: 154.

[37]– RECANATI (F) PERAYA (D): LE PROJET SEMIOTIQUE, Eléments de sémiotique générale ED. Encyclopédie Universitaire1975, P:27. 

[38]– Enrico (CARONTINI): L’ACTION DU SIGNE, OP.Cit, PP:8/9.             

[39] RECANATI (F) PERAYA (D): LE PROJET SEMIOTIQUE, OP.Cit,   – P:24.               

[40]–UMBERTO (ECO): LECTOR IN FABULA, OP.Cit, P: 43.                      

[41]-GERARD (DELEDALE): COMMENTAIRE, IN Ecrits sur le signe, OP.Cit, P: 219. 

[42]–  PEIRCE (Charles Sanders): Ecrits sur le signe, OP.Cit, P: 76.                      

[43] – سعيد (بنگراد): “سميائيات بورس” مرجع مذكور، ص:17.

[44] – نيكول (إيفرايرت ـ دسمدت): “الرمزية والمخيال والواقعي”، مرجع مذكور، ص:70.

[45] – سعيد (بنگراد): “سميائيات بورس” مرجع مذكور، ص:18/19.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.